الشيخ محمد رشيد رضا
101
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بكونه تناله الأيدي والرماح يراد به كثرته وسهولة أخذه ، وامكان الاستخفاء بالتمتع به . وروي عن ابن عباس ومجاهد ان ما يؤخذ بالأيدي صغاره وفراخه وبالرماح كباره . وقال مقاتل بن حيان : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم اللّه عن قتله وهم محرمون ووجه الابتلاء بذلك ان الصيد ألذ الطعام وأطيبه وناهيك باستطابته وبشدة الحاجة اليه في السفر الطويل كالسفر بين الحرمين ، وسهولة تناول اللذيذ تغري به ، فترك ما لا ينال الا بمشقة لا يدل على التقوى والخوف من اللّه تعالى كما يدل عليه ترك ما ينال بسهولة ، وقد قيل إن من العصمة ان لا تجد ، وهل يعد ترك الزنا ممن لا يصل اليه الا بسعي وبذل مال وتوقع فضيحة كترك يوسف الصديق له إذ غلقت امرأة العزيز الأبواب دونه وقالت : هيت لك ؟ والمعنى يا أيها الذين آمنوا ان اللّه تعالى يقسم بأنه سيختبركم بارسال شيء كثير من الصيد - أو ببعض من أنواعه - يسهل عليكم أخذ بعضه بأيديكم وبعضه برماحكم لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ أي يبتليكم به وأنتم محرمون ليعلم من يخافه غائبا عن نظر الناس غير مراء لهم ولا خائف من انكارهم ، فيترك أخذ شيء من الصيد ، ويختار شظف العيش على لذة اللحم ، خوفا من اللّه تعالى وطاعة له في سره - أو يخافه حال كونه متلبسا بالايمان بالغيب الذي يقتضي الطاعة في السر ، والجهر ، فإذا وقع ذلك منكم علمه اللّه تعالى لأن علمه يتعلق بالواقع الثابت ، وترتب على علمه به رضاه عنكم وإثابتكم عليه ، كما يعلم حال من يعتدى فيه ، وقد بين جزاءه في الجملة الآتية فدل ذلك على ما حذف من جزاء من يخافه . والمشهور ان المراد بمثل هذا التعبير انه تعالى يعاملكم معاملة المختبر الذي يريد ان يعلم الشيء وان كان علام الغيوب ، لان هذا من ضروب تربيته لكم ، وعنايته بتزكيتكم ، وقد تقدم تفسير مثل هذا التعليل بعلم اللّه تعالى ( راجع ص 8 ج 2 وص 148 ج 4 ) فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ أي فمن اعتدى بأخذ شيء من ذلك الصيد بعد ذلك البيان والإعلام الذي أخبركم اللّه تعالى به قبل وقوعه فله